عبد الوهاب الشعراني

316

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان يقول : من لم ينخلع من طوره ويخرج عن نفسه ويأتي هو بلا هو لا يجد عند ذلك هو . قد بالغت لكم جهدي في النصح فإن اتبعتم أفلحتم . وكان يقول : يا ولدي البس قميص الفقر النظيف الظريف ما الأمر بلبس الثياب ولا بسكنى القباب والخانقات ولا بالزاويات ولا بلبس العبايات ولا بلبس القباء الأزرق ولا حف الشوارب ولا بلبس الصوف ولا بالنعل المخصوف ، إنما الفقر أن تخلص عملك كله في قلبك وتلبس ثوب صدق عزمك وتحتزم بحزام إيمانك فإذا كان عملك كله في قلبك كان فائدة وربحا وأضرم نار القلب واحترق الحشا وامتلأ القلب خوفا من اللّه تعالى ومحبة له . قال الشيخ رضي اللّه عنه فإن تهتك هذا فلا يلام ، وإن صاح أو باح فقد حل عنه الملام « 1 » وإن رش عليه الماء في ليالي الأربعينيات فلا يزيده إلا ضراما وكل شيء نزل باطنه من الطعام نار واستنار ، فيا أولادي : الفقراء كلهم عندي ملامح ليكونوا عندكم كذلك فاحذروا الإنكار . وكان رضي اللّه عنه يقول : خاص الخاص من أهل الخصوصية جعلوا زواياهم قلوبهم ، ولبسهم تقواهم وخوفهم من ربهم مولاهم ، قد رفضوا الكرامات ولم يمشوا على ماء ولم تسخر لهم الهوام ولم تبصبص لهم الأسود ولم يضربوا رجلهم بالأرض فتنفجر ماء ولا مسوا أجذم ولا أبرص فبرئ ولا غير ذلك فخرجوا من الدنيا وأجورهم موفورة رضي اللّه عنهم أجمعين . وكان رضي اللّه عنه يقول : يا أولادي عمركم في انتهاب وأجلكم في اقتراب وقد طويت الدنيا وجثا أولها عند آخرها فالسعادة كل السعادة لمن طوى منكم صحيفته كل يوم مضمخة معتبرة ممسكة معطرة بأعماله الزكية وشميه المرضية ، والشقاوة كل الشقاوة لمن طوى منكم صحيفته كل يوم على زلات وقبائح عظيمات ، يا أولادي كأنكم بالساهرة وقد مدت وبالجبال وقد دكت وبالحجارة وقد صاخت وبالحصى وهو يقطر دما فبادروا واعملوا ولا تسرفوا تندموا ، هذه وصيتي لكم هديتي إليكم . وكان يقول : إنما قالوا حسنات الأبرار سيئات المقربين ، لأن المقرب يراعي الخطرات واللحظات ويعد ذلك من الهفوات ويفتش على هواجس النفوس ويراقب

--> ( 1 ) لا يرفع الملام إلا عن ثلاث الصغير والنائم والمجنون عملا بحديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم : ( رفع القلم عن ثلاث ) .